اشترك في: 01 يوليو 2008, 13:09 مشاركات: 26 مواضيع: 6
أجلس على عتبة باب منزلنا وأنا لم أتعدى الرابعة من عمرى أنتظر مجيئه .. وكلى ترقب ناحية ناصية الشارع .. لهفة فى إنتظاره وغبطة خفيه بإنتظار الحلوى والبسكويت والتمر أو الفول السودانى المحمص الذى يحضره لى يوميا معه... يلوح لى من أول الشارع بدراجته الرمادية وبنطاله وقميصه اللذان يشكلان قامته الشامخة.. .. أقف من على العتبة وأضم يدى الصغيرتان من الفرحة وأنتظر فى مكانى بعتبة الباب التى بالكاد أظهر منها .. لا أستطيع أن أجرى ناحيته لأن ذلك ممنوع فى نظر أبى أن أجرى وألعب بالشارع .... مرفوض تماما .. أخر إرتباط لى بالشارع هو عتبة الباب التى أنتظره بها... يصلنى وهو يجر دراجته بكلتا يديه بعد أن ترجل منها قرب المنزل.. وتتهلل أساريره وهو يرانى .. وكذك أنا .. أجدنى قد إمتلات فرحة وأنا أسأله ( جبت لى شنو معالك؟).. يكون الرد كالعادة:( يللا ندخل جوه ) كانه يريد أن يحفز فى لهفة إنتظار الحلوى .. أسبقه إلى الداخل وفى الفناء العريض يضعنى فى الدراجة ويقودها بيديه القويتين ( طالما تفاخرت لصديقاتى : أبى أقوى رجل بالعالم ) ...حتى يضعها تحت شجرة البرازيليا الكبيرة وينزلنى أرضا.. حينها يحمل ماجاد به إلى أمى بالداخل .. لتبدأ بتحضير الغداء ( أحب رائحة الخبز الحار وهو يحمله ليعطينى منه قطعة).. فموعد وصوله يعنى ساعة الغداء فى المنزل.. وكل ذلك وأنا خلفه وأمامه ورائه ومن كل جانب .. أريد حلوتى !!... يدخل إلى داخل المنزل ويدخل يديه داخل جيوبه ليقبض ماجادت به على .. تتراوح مابين حلوى بسكويت وفول وتمر...كل فرح الدنيا يغمرنى فى تلك اللحظة..يستمع إلى عالم الرياضة .. حتى الأن يعنى لى الكثير هذا البرنامج ..عندما اسمع موسيقى عالم الرياضة عند الثالثة أتذكر أبى وهو عائد من العمل ...الحلوى.... أمى وهى تحضر الغداء... شجرة البرازيليا.. دراجة ابى.. طفولتى... طالما أحببت رائحة أبى .. أجدها مميزة كرائحة الخبز الحار مخلوطة بالتعب والشقاء وعزة النفس والعرق .. تعودت التمدد بجانبه منذ صغرى ..لاانام إلا فى سرير أبى وعلى صدر ابى .. أسأله أكثر من مليون سؤال فى الدقيقة لا يكل ولا يمل ولا يضجر بل كان يجاوبنى بكل هدوء وروية ودراية .. تعلمت منه الكثير .. كان فى نظرى أكثر الناس علما ومعرفة .. أذكر يديه وهى مليئة بشرف مهنته .. متعرقة ..مليئة بزيوت السيارات التى كان يصلحها..كم أحببت تلك الأيادى ..ورغم إتساخها فى تلك اللحظة ولكنها أكثر الايادى نظافة على الإطلاق.... وفيما أذكر أيضا عندما إنتقل ليعمل فى مصلحة الموازين والمقاييس انذاك .. كان يأخذنى معه وأنا لم أدخل المدرسة بعد .. كنت ألعب بين الاشجار أثناء عمله.. أحببت ذلك المكان.. وحتى الان عندما أزور كسلا .. أحب أن أنظر إلى الأشجار التى زرعها أبى أمام تلك المصلحة والتى رواها ورعاها والتى اصبحت الان من معالمها وكبرت وظللت أكبر مساحة حولها.. وكأنى أتفاخر أمام الناس : تلك زرعها أبى.. عاش وسط قبيلة ليس منها بكل إحترام .. أحبوه كأنه منهم .. وحزنوا عندما فارقهم.... عاش مرفوع الرأس كمشيته الواثقة.. له مشية طالما ميزته .. رأسه مرفوع .. حتى أنه مشهود له إذا قابلته فى مكان خارج المنزل لن يميزك حتى وإن مررت أمامه لأنه لاينظر إلى ملامح المناس فى الطريق بل ينظر إلى الطريق نقسه.. فذلك الشامخ كما النخلة: هو أبى..
اشترك في: 18 فبراير 2008, 13:37 مشاركات: 1498 مواضيع: 134
رائع هذا الوفاء والسرد الذي تمنيت ألا ينتهي
يا لشموخ هذا الرجل .. واصلي
_________________ فلنجعل تلاقينا بابَ خيرٍ وعطاء من أجل كســـلا كسلا تحتاج إلى أبنائها في كل أنحاء العــــــــالم فلنكن يداً واحدة من أجل كسلا الإنسان والأرض
لك اجزل الشكر اخت عفراء كم نحن بحاجة اليوم لنعبر عن عظيم شرفنا بوالدينا ...كم بحاجه اليوم ان نبر ابائنا وأمهاتنا.وأن نترحم على من قضوا نحبهم ومن مازال عائش بيننا .وربنا يقدرنا ونقدم لهم ابسط ماعندنا حتى..شكرا عفراء..
المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر/زوار
لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى